الاتصال الصعب

سوزان هافيلد الاتصال الصعب
   

قد لا يطرأ على بال الكثيرين أن العلاقات الإنسانية من الأمور الغيبية التي لا يمكن للإنسان أن يرتبها كما يحلو له فلا يملك أحدنا أن يعرف اليوم من سيقابل غداً أو مع من سيتعامل في اللحظات التالية أو ما هو شكل المجتمع الذي سيجد نفسه ضمنه بعد سنوات، أو ما إذا كان سيبقى في محيطه الاجتماعي الذي يتعامل معه الآن أم لا… العلاقات الإنسانية في الحقيقة أفق لا نهاية له، هو ممتد بامتداد النفس البشرية ومختلف باختلافها وتنوعها.

البيئة المحددة إلى نوع ما في حياتنا الاجتماعية هي البيئة الأسرية، مع ذلك وبالرغم من أننا نعرف عناصر هذه البيئة – أفراد العائلة والأقارب – إلا أننا لسنا على يقين بأننا على دراية تامة بطرق الاتصال التي يمكن أن تنجح مع هذا دون ذاك. وإذا كان الأمر كذلك في بيئة محددة إلى حد ما، فما عساه يكون في بيئة مثل بيئة العمل: بيئة اتصال غير واضحة المعالم؟

في مثل هذا المجتمع – مجتمع العمل – لا يمكنك أن تحدد أصناف الأفراد الذين تتعامل وستتعامل معهم، وبالتالي أنت حائر أي من طرق الاتصال تستخدم مع فلان دون فلان وفلان. هناك أنواع من الشخصيات طيّعة سهلة تقودك بنفسها إلى كيفية التعامل معها، بينما هناك أخرى تحار كيف تتصرف معها وهي ما يمكن أن نطلق عليها مصطلح “الشخصيات الصعبة أو المزعجة”، فكيف نتعامل معها؟

الشخصيات المزعجة موجودة في كل حقل من حقول الأعمال ولا يكاد يخلو منها واحد، وهذا يعني أنك لا بد وأن تواجه نماذج منها وتضطر للتعامل معها، ومع أول درجات الاتصال عليك أن تتذكر أنك طرف هام في عملية الاتصال هذه فالأمر لا يقتصر على الخصائص  الشخصية لهذا النوع من الأفراد، بل يتعدى ذلك إلى تقييمك الذاتي لنفسك، وإلى شجاعتك وثقتك بنفسك.

يكون التعامل مع هذا النوع من الأفراد أكثر سهولة عندما تكون دائرة سلوكه موزعة على عدد من الأشخاص، ويكون أكثر صعوبة عندما تكون هذه الشخصية في مواجهتك وتتبنى منك موقف المهاجم فتشعر أنها تستنزف من طاقتك وقدرتك على الإبداع.

 

هل يمكن تحديد الشخصيات المزعجة ضمن إطار؟

في الواقع لا يمكن تحديد إطار معين لهذا النوع من الشخصيات لأنهم لا يجتمعون على خصائص محددة  فبعضهم:

§   يتكلم دون توقف ولا يلقي بالاً لأي حديث آخر أو رأي آخر قد يطرحه أعضاء آخرون في الفريق، باختصار فإنه يجد نفسه على الدوام غير مضطر للاستماع للآخرين.

§        وبعضهم يفرض على الآخرين أن تكون له الكلمة الأخيرة ولا يقبل أي قرار يخالف قراره.

§        وبعضهم ينتقد أي شيء لا يكون من صنعه.

§        وبعضهم ينافسك على مواقع السيطرة والقوة والتحكم، ويحاول سرق الأضواء.

§   وقد يصل الأمر مع بعضهم إلى حد تملق المدير وامتداح آراءه وأفكاره فقط فيما يمكن أن ينتقص منك ومن أسلوبك في العمل ويقلل من شأنك في عينه.

§   البعض يحاول استنزافك بطرق باردة ويجعلك دائم الشعور بأنه يتوجب عليك أن ترقب ما يجري خلف ظهرك باستمرار.

§        وأكثرهم تواجداً متصيدي الأخطاء والمتسلقين…

§        وبعضهم تجتمع فيه كافة هذه الخصال!

وإذا كانت هذه الشخصيات تختلف من حيث خصائصها وأساليب إزعاجها، إلا أنها تلتقي عندك في نقطة مشتركة واحدة وهي المواجهة. مهما كان نوع الموقف الذي وجدت نفسك فيه، ومهما كان نوع الإزعاج الذي تسبب به فلان من الموجودين، فالمواجهة واجب لا مفر منه.

 

إدارة الاتصال الصعب

لماذا المواجهة؟

بداية، كن واثقاً من أن وضعك لن يكون أفضل، بل غالباً ما سيتدهور نحو الأسوأ، في حال إحجامك عن المواجهة. تذكر أنك لست وحدك من يعاني من هذا الشخص – هذا شيء مؤكد، وأنك عندما تصبح على دراية كاملة بما يحدث حولك يصبح قرارك بالتعايش مع هذا الوضع على المدى الطويل أمر مسلم به. المواجهة أمر لا بد منه لما يترتب على إغفاله من نتائج سيئة، أولها أن تقع في محاذير أنت في غنى عنها:

  التذمر المستمر من الوضع أو من زملائك في العمل، وهذا ما لن يزيد الأمر إلا سوءً لأنه سيكسبك لقباً يلازمك أبداً: “شخص متذمر، كثير الشكوى بداعٍ ودون داع”، كما أنه سيدفع مدراءك للتساؤل لماذا أنت عاجز عن حل مشاكلك بنفسك؟

  التورط في نزاع طويل ومستمر في العمل وعدم التمكن من حسمه، في نهاية هذا الطريق ستجد نفسك مصنفاً ضمن زمرة “المزعجين”، كما أنك ستُلام لأنك فشلت في التعامل مع الوضع “كمحترف ناضج”؛ سيكون من الصعب الخروج من هذا التصنيف، وقد يترتب عليه نتائج مصيرية في مهنتك.

  استمرار الوضع بالتدهور، وهذا ما سيجعل مديرك يضيق بك مع مرور الوقت؛ قد يقرر مديرك أنك “عضو مكلف” ويمكن استبدالك بسهولة بشخص محترف ومتعاون، أي أنك ستفقد عملك.

هل إلى خروج من سبيل؟

بداية نقول أن السلوك العاطفي مع العناصر المزعجين في بيئة العمل ليس هو الحل الأمثل، فمحاولة رد الصنيع بالمثل لن يفيد في حل المشكلة بل سيزيد الأمر سوء، ووضع ملاحظات مثيرة للغضب في صندوق بريد الطرف الآخر ليس خياراً جيداً، أما العناكب السوداء البلاستيكية في درج مكتب المدير فستضمن لك تسريحاً آنياً من العمل!

حاول مع النصائح التسع التالية وإلا فستكون العاشرة هي أفضل الحلول:

1.      ابدأ بنفسك: هل أنت متأكد أن الشخص الآخر هو المشكلة، وأنك لم تكن متطرفاً في ردة الفعل؟ تساءل ما إذا كنت تعاني باستمرار من صعوبة في التعامل مع هذا النوع من الشخصيات أو السلوكيات؟ هل أنت مدرك للنقاط الحساسة في شخصيتك والتي تستثار بسرعة (ليس منا أحد لا يملك نقاطاً كهذه). مع هذه البداية تكون انطلاقتك صحيحة فقد حددت السبب الحقيقي للمشكلة.

2.      ضع مشكلتك على طاولة البحث مع صديق أو زميل محط ثقة. ولّد واستجلب أفكاراً لمواجهة الوضع (جلسة عصف ذهني مصغرة). اضبط أعصابك قدر الإمكان وحاول أن لا تستثار؛ ادرس الأمر بعقلانية وابتعد عن العواطف وما تمليه عليك الأنا.

3.                انتبه إلى الموافقة الصامتة التي يمكن أن يوحي بها موقفك أثناء مناقشة الوضع مع آخرين.

4.      اقترب من زميلك -سبب المشكلة- وادعوه إلى نقاش خاص. تكلم معه حول ما تعانيه. تجنب الهجوم أو الاتهام. حاول أن تكون منفرج الأسارير. انتق وقتاً تكون فيه  منشرح الصدر لدعوة كهذه. اشرح له التأثير السلبي لسلوكياته على شخصك، لا تكثر من اللوم ولا تستخدم ألفاظاً مثيرة للغضب. قد تندهش عندما تعرف أنه ليس مدركاً لنتائج تصرفاته، وقد تعينه هذه المناقشة على مراجعة مواقفه ومحاولة تبني نهج جديد.

5.      تابع نتيجة النقاش، هل أدى إلى تحسن، أم إلى تراجع؟ هل عليك عقد جلسة أخرى؟ هل عليك أن تستعين بشخص آخر أم أن تستمر بمفردك؟ إذا كانت النتائج إيجابية تابع منهج النقاشات الشخصية، أما إذا كانت سلبية أسدل الستار وانتقل إلى الخطوة التالية.

6.      واجه زميلك في بيئة مفتوحة بقليل من المرح والتدرج في الحديث من العام إلى الخاص، وتجنب أسلوب المباشر “افعل ولا تفعل” “كان يجب، وما كان يجب..”، تذكر دائماً أن الليونة والمزاح في وضع كهذا أجدى نفعاً من الصرامة وتقطيب الجبين.

7.      لم تجد الخطوات السابقة نفعاً، إذا ً عليك تصعيد الموقف، هيئ نفسك لمقابلة المدير اطرح الموضوع وحدد نقاط المشكلة التي أنت بصددها من حيث أنها مشكلة تؤثر على طاقتك الإنتاجية وبالتالي على سير العمل ونهاية على نجاح المشروع الذي أنت بصدد إنجازه. إياك وشخصنة الموضوع أمام المدير هذا سيقلب الوضع رأساً على عقب. اسرد على المدير ما يفعله هذا الشخص ضمن إطار الانعكاسات السلبية على العمل وتقدمه. كن محدداً ولا تكن عاماً في طرحك.

8.      إذا كان مديرك يمتلك حس الإدارة الجيد فقد يستدعي الطرف الآخر ومن الممكن أن يستدعي أيضاً المشرف عليه. هيئ نفسك لاجتماع ثلاثي أو رباعي، وتوقع أن يكون هناك جلسات مناقشة لاحقة.

9.      تجنبه! المشكلة لا زالت قائمة بالرغم من كل المحاولات؛ لم يبق أمامك إلا أن تتجنب هذا الشخص. تعامل معه بأضيق الحدود المفروضة، انقطع عن حضور اللجان الطوعية، اختر المشاريع التي لا يكون فيها موجوداً . اطلب نقلك إلى قسم آخر من الشركة – إذا كان حجمها يسمح بذلك.

10.    وآخر الطب الكي. عندما يكون المنحدر في اشتداد ولا تنفع معه مختلف أنواع المكابح يكون التوقف هو الحل الوحيد. اترك العمل! قد تثور ثائرتك على هذا الاقتراح: “كيف أترك العمل؟ لست أنا سبب المشكلة بل هو! أترك العمل ويبقى هو يتمتع؟ كيف يستقيم هذا… لا هذا لن يكون…” انتبه لنفسك فأنت تتجه نحو منطقة التفكير السلبي. توقف لحظة وحاول أن تتوازن. ضع موقفك، ووضعك في عملك في كفة وضع نجاحك وإبداعك وطموحاتك في الكفة الأخرى، وانتبه إلى أن الوقت دائماً ليس في صالحك، وأن هذا النوع من العلاقات يستنزف الزمن والطاقة بشكل خفي. الأفق واسع والإمكانات المتاحة كثيرة.

لنتذكر دائماً أنه لا توجد في حياتنا “لحظة لا معنى لها” يمكننا أن نستفيد من لحظات الفشل أكثر من استفادتنا من لحظات النجاح.

لحظات الفشل لها طعم مختلف.. أتقن ترجمتها وستجعل منك عظيماً!

الكاتب yemen

yemen

مواضيع متعلقة

اترك رداً