الصفات المميزة للقادة أصحاب المبادئ

 

الصفات المميزة للقادة أصحاب المبادئ
 

الحلقة الثانية

ستيفن كوفي

 

تحدثنا في العدد السابق عن بعض صفات القادة أصحاب المبادئ واستعرضنا صفاتهم، ونتابع في هذا العدد الحديث عن باقي الصفات.

 

الاتزان في الحياة:

 

يحرص القادة المرتكزون على مبادئ على مطالعة الصحف والمجلات واسعة الانتشار، وأفضل ما تصدره دور النشر من كتابات ومطبوعات، كما أنهم يتابعون بشغف الأحداث الجارية والقضايا العامة والعالمية، وهم كذلك يتميزون بعلاقاتهم الاجتماعية الواسعة، حيث يحظون بصداقات واسعة، لكنهم لا يضعون ثقتهم إلا في شخصيات محدودة.

 

إنهم يتمتعون بفكر متدفق، واهتمامات واسعة، وهم يقرؤون بوعي، ويراقبون بحرص، ويتعلمون مما يشاهدون، وهم -في الوقت ذاته- أناس رياضيون، لكنهم يمارسون الرياضة في الحدود التي تسمح لهم بها ظروفهم الصحية والعمرية، وهم يعرفون كيف يستمتعون بحياتهم؟ فهم –عموماً- أناس سعداء، يتمتعون بروح الدعابة خاصة وأنهم يضحكون في أنفسهم دون أن يسخروا من الآخرين، وتستطيع أن تلحظ فيهم أنهم صادقون تماماً مع أنفسهم، وأنهم يحترمونها ويترفعون بها عما ينقصها قدرها.

 

يستطيع القادة المرتكزون على مبادئ أن يسبروا غور ذاتهم ليتحسسوا قدرهم وقيمتهم، والتي يلمسونها من شجاعتهم ونزاهتهم واستغنائهم عن التباهي والتفاخر بأنفسهم وذويهم وذوي السطوة والصيت من أقاربهم ومعارفهم، وترفعهم عن استجداء القوة من إرثهم وممتلكاتهم وسلطاتهم ومناصبهم ومنجزاتهم السابقة. يتمتع هؤلاء عند إجراء اتصالاتهم ونقاشاتهم بعقلية متفتحة، ووضوح وبساطة ومباشرة وقدرة على التعامل مع ما يصادفهم من صعاب، كما أنهم يتمتعون بالقدرة على تمييز الصواب من الخطأ، وهم إذا أخطؤوا مرة، فإن مرد خطئهم يرجع إلى خفاء بعض المعلومات والحقائق عليهم، وليس إلى سوء تقدير من جانبهم.

 

ولا يغالي القادة المرتكزون على مبادئ في تقدير الأمور، ولا يرون الأشياء باللونين الأبيض والأسود فقط، فلا يوجد خير مطلق وشر مطلق، بل ينظرون إلى من حولهم على أنهم متدرجون في الخير والشر، ويفكرون في الأمور حسب أولوياتها، الأهم ثم المهم. ويتمتع هؤلاء بالقدرة على التميز بين الأمور، وتحديد الفروق وأوجه التشابه بين المواقف والأشياء، وهذا لا يعني أنهم يتعاملون في كل موقف بمبادئ وأخلاقيات متباينة. هؤلاء يدركون جيداً ما الأمور المطلقة والمسلم بها على وجه التحديد؟ ويمتلكون قدراً كافياً من الشجاعة يعينهم على الحكم على الأشياء، خيرها وشرها، وإعلان حكمهم هذا.

 

وتأتي تصرفات القادة المرتكزون على مبادئ ومواقفهم متوافقة مع الموقف الذي يواجهونه، متوازنة معتدلة وحكيمة تنشد التوسط، فهم ليسوا ممن يغمسون أنفسهم في العمل، ولا هم من المتعصبين الدينيين ولا المتشددين السياسيين، ولا هم بالذين يتبعون أنظمة غذائية قاسية، ولا بالذين لا همَّ لهم سوى البحث عن المتع، ولا بالذين يزهدون في دنياهم ويموتون شهداء لمبادئهم ومواقفهم، بل هم لا يتنازلون عن جزء من حريتهم بسبب خططهم أو في سبيل الانتهاء من الأعمال المنوطة بهم، وهم لا يشقون على أنفسهم إزاء كل خطأ أو حماقة يرتكبونها، وهم لا يطيلون التفكير في الأمس ولا يتركون أنفسهم لأحلام اليقظة بالمستقبل. إنهم يعيشون حاضرهم في وعي كامل، ويخططون لمستقبلهم بحرص بالغ، ويتكيفون جيداً مع المتغيرات والمستجدات، ويظهر لنا صدقهم مع النفس في روح الدعابة التي لا تفارقهم، ورغبتهم الدائمة في الإقرار بالخطأ ثم التغاضي عنه، واستشرافهم إلى الاضطلاع بالمهام التي تقع في نطاق قدراتهم.

 

لا يظهر القادة المرتكزون على مبادئ الغضب والوعيد لغيرهم في سبيل تحقيق مآربهم، كما أنهم لا يتظاهرون بالتضحية والاستشهاد استجداء لتعاطف الآخرين معهم، وهم يفرحون بصدق لما يحرزه الآخرون من نجاحات، ولا يرون في تلك النجاحات انتقاصاً من قدرهم، كما أنهم يتقبلون اللوم والثناء بدون احتداد أو ردود أفعال مبالغ فيها، فهم يبصرون النجاح في آخر طريق الفشل، والفشل لا بد وأن ينتهي إلى النجاح، والحالة الوحيدة التي يرون أنها فشل مطلق لا نجاح يرتجى منه، هي التجربة التي لا يتعلمون منها.

 

ينظرون للحياة كمغامرة:

 

يعيش الأشخاص المرتكزون على مبادئ كل لحظة من حياتهم ويستمتعون بها، ذلك أن إحساسهم بالاستقرار والأمان إنما ينبع من داخلهم ولا يعتمد على أي مؤثر خارجي، وأنهم قادرون على التثبت من كل خطوة يقدمون عليها، والتنبؤ بما يمكن أن يحدث دون الحاجة إلى السير على درب السابقين وتقليدهم. إنهم ينظرون إلى ما حولهم نظرة متجددة بعيدة عن التقليد الباعث على السأم والضجر، ومثلهم في ذلك مثل المغامرين الشجعان، يخرجون في حملات لاستكشاف الأقاليم البعيدة التي لم تطأها قدم إنسان، ورغم أنهم لا يدركون حقيقة ما قد ينتهي إليه أمرهم إلا أنهم واثقون تمام الثقة أن الرحلة ستعود عليهم بالمتعة والإثارة والمعرفة التي ينشدونها، وأنهم بمغامراتهم تلك سيقدمون إلى البشرية إسهامات جديدة تضاف إلى رصيد خبراتهم، ويأتي شعورهم بالأمان والاستقرار من قدرتهم على المبادرة وسعة حيلتهم وقدرتهم على الإبداع، وقوة إرادتهم وشجاعتهم، وقوة تحملهم وذكائهم الفطري، وليس على حالة الأمن والحماية وسعة العيش التي يرفلون فيها.

 

ويعينهم منظورهم المتجدد لما هو لهم على إعادة اكتشاف نواح جديدة كانت غائبة عنهم في شخصيات من حولهم، وهم عندما يتعاملون معهم يبدون اهتماما بهم، ويحاولون فهم شخصيتهم، ويطرحون عليهم الأسئلة التي تمكنهم من الغوص في شخصيتهم، وعندما يصغون إليهم يصغون بوعي تام وذهن حاضر، وهم يتعلمون منهم ويستفيدون من خبراتهم، لكنهم لا يصدرون عليهم أحكاما تركن إلى تجارب سابقة سواء كانت ناجحة أو فاشلة، فالإنسان دائما في صراع مع الحياة، قد يصادفه الفوز في جولة ثم يجد الخسارة تنتظره في أخرى، ولا يوجد من هو أكبر من الحياة، ولا ترهبهم الأسماء الكبرى للمشاهير أو حتى للقيادات الحاكمة، بل إنهم يجاهدون في سبيل أن يترفعوا بأنفسهم عن مشايعة هذا أو ذاك، أو أن يصبحوا تابعين لهم. إنهم أناس رابطوا الجأش يصعب التأثير عليهم، ومع ذلك فهم قادرون على المواجهة، والتعامل مع كل ما يستجد من أمور في مواجهتهم، وتلك المرونة أحد مبادئهم الراسخة.إنهم حقا يحيون حياة غنية بالمتعة والإثارة، حياة متجددة.

 

التكاتف:

 

التكاتف هو الحالة التي يكون فيها الكل أكبر من مجموع الأجزاء، والقادة المرتكزون على مبادئ يتسمون بتلك الميزة – التكاتف- وهم عناصر باحثة عن التغيير، ما يستقرون في موقع ولا ينغمسون في موقف حتى يطوروه نحو الأفضل، ويتسم أداؤهم في العمل بالذكاء وحسن التصرف والجدية، وهم أناس يثيرون الدهشة فيمن حولهم بشخصيتهم البناءة والمثمرة والمنتجة، والتي تنتهج دائما طرقا وأساليب جديدة ومبتكرة.

 

فعندما ننظر إلى الجهود الجماعية التي يبذلها فريق عمل من أجل إنجاز مهمة تسند إليه كفريق واحد، تجدهم يبنون ويعلون بالبناء معتمدين على طاقاتهم وقدراتهم الجماعية، وتجدهم يبذلون قصارى جهدهم في تغطية نقاط الضعف التي قد تظهر في بعض أعضاء الفريق كي يظهر العمل ككل في أتم صورة. في مثل تلك الأحوال تجد أن عملا كهذا لا يكتمل إلا بإتمام الآخر عمله، بالتالي يكون هناك نوع من تفويض الآخر للانتهاء من الجزء المسند إليه، هذا التفويض يأتي بصورة طبيعية مسلسلة، لأن كلا منهم يؤمن بكفاءة الآخر ومقدرته على إنجاز مهمته على خير وجه، وهم لا يعنون بمراقبة أداء الآخرين في إنجاز مهامهم، لأن تفوق الآخرين في عملهم وظهورهم في صورة أفضل منهم مسألة لا تؤرقهم كثيراً.

 

وعندما يتناقش الأشخاص المرتكزون على مبادئ مع الآخرين ويشاركونهم في تناول بعض المواقف المثيرة للجدل والخلاف – فإنهم يعرفون كيف يفصلون بين المسائل الشخصية والمشكلة التي يتناولونها- فهم لا يعنينهم سوى اهتمامات الآخرين والقضايا التي تشغلهم، ولا يلتفتون إلى الصراع مع الآخرين حول المواقف التي يتبنونها، وتدريجيا يكتشف الآخرون صدق هؤلاء وإخلاصهم، وسرعان ما يصبحون جزءا من عملية إبداعية رامية إلى إيجاد حل للمشكلة المتناولة، وهكذا يتوصلون إلى حلول مشتركة أتت كثمار للجهود المتكاتفة التي بذلها جميع الأطراف، والتي تفوق كثيرا سائر الاقتراحات الأخرى المبدئية التي تقدم بها أعضاء الفريق، كل بصورة فردية، وذلك أن تلك الحلول جاءت لتراعي مصالح جميع الأطراف، بعد أن قدم كل طرف بعض التنازلات في سبيل حصوله على جزء من الفائدة المشتركة التي تعم على الجميع.

 

إنهم ينشدون تجديد طاقاتهم من خلال الترويض والتدريب:

 

وأخيرا، فإنهم يروضون أنفسهم من خلال إجراء تدريبات ذاتية على المستويات الأربعة للشخصية الإنسانية، وهي المستوى البدني والعقلي والعاطفي والروحي.

 

فهم يخضعون لبرامج تدريبية رياضية متزنة ومعتدلة ومستمرة، تهدف إلى تقوية عضلات القلب والأطراف وتنشيط الرئتين. هذا التدريب يرفع درجة تحملهم- حيث يرفع من قدراتهم البدنية الذهنية بتنشيط وصول الدم محملا بالأكسجين إلى المخ وأطراف الجسم- إضافة إلى فوائد أخرى عديدة بدنية وذهنية تعود على ممارس الرياضة البدنية، كذلك من المفيد القيام بتمارين الإطالة التي تمنح الجسم المرونة، وتمارين التحمل التي تزيد من القوة البدنية.

 

كما أنهم يقومون بتدريب عقولهم من خلال التدريب على القراءة والكتابة والقدرة على التخيل، وإيجاد حلول مبتكرة للمشاكل والصعاب التي تواجههم، كما يدربون عواطفهم ومشاعرهم من خلال بذل مجهود في سبيل اكتساب صفات الصبر والتجلد والإصغاء إلى مشاكل الآخرين، والتعاطف معها تعاطفاً صادقاً، وإظهار الحب الخالص للآخرين المنزه عن الغرض، وتحمل مسؤولية أنفسهم ومسؤولية قراراتهم وردود أفعالهم، ويتدربون على الجانب الروحي من خلال الإخلاص في صلاتهم ودعائهم، ودراسة الكتب الدينية، لاسيما الكتب السماوية والتأمل في الكون وما حوله، والصوم التطوعي.

 

إنني على يقين أنه ما من أحد يقضي ساعة من ساعات يومه في ترويض نفسه على تلك الرياضات الذهنية والبدنية والشعورية والروحية، إلا وأثمر ذلك عن تجويد أدائه في كل ساعة من ساعات يومه، وزاد من إنتاجه فيها ورضائه عن نفسه وعن أدائه، بل وأثمر في استمتاعه بساعات نوم عميق خال من القلق والتوتر.

 

ولن تعود عليك ساعة من يومك بفائدة تقارن بالفائدة التي تعودها من استثمار ساعة من وقتك، في ترويض ذاتك وتدريبها على أصعدة الشخصية الإنسانية الأربعة، وإذا ما واظبت على هذا الأمر يومياً فستشهد بنفسك تأثيره الإيجابي الواضح على حياتك.

 

بعض تلك الأنشطة يمكن أداؤها في أي وقت خلال اليوم، في حين أن البعض الآخر يحتاج منك إلى وضع جدول زمني لأدائه على مدى ساعات اليوم وقد تستقطع تلك التمارين بعضاً من وقتنا، لكنها – وعلى المدى البعيد- ستوفر لنا قدراً كبيراً من الوقت وعلينا ألا ننشغل بأمورنا عن تأهيل أنفسنا وترويضها للاضطلاع بما عليها من مهام، وعلينا ألا ننشغل بالرحلة عن التجهيز لها، لقد تعلمت أنني إذا قمت بأداء ساعة الترويض تلك مبكراً في أول اليوم، فإن الأمر يبدو كما لو كنت قد حققت نصراً شخصياً، وأن هذا النصر يضمن لي سلسلة انتصارات عامة على مدى اليوم، أما إذا تكاسلت عن هذا البرنامج التدريبي وتجاهلته ككل، ولو حتى جزءاً منه، فإنني بذلك أضيع على نفسي نصراً خاصاً، وأجد نفسي قد ابتعدت عن مضمار السباق بسبب وطأة ضغوط الحياة اليومية.

 

تدريجياً، ستخلق مبادئ تجديد الطاقة الذاتية تلك فيك شخصية مؤثرة ومنضبطة ذات إرادة قوية تميل إلى مساعدة الآخرين.

الكاتب yemen

yemen

مواضيع متعلقة

اترك رداً